الشيخ محمد رشيد رضا

316

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنه كان قد تنصر قبل إسلامه . ثم راجعت الرازي فإذا هو يقول : واختلفوا في نزولها فقال ابن عباس وجابر وقتادة نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال المنافقون انه يصلى على نصراني لم يره قط . وقال ابن جريج وابن زيد نزلت في عبد اللّه بن سلام وأصحابه . وقيل نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فأسلموا . وقال مجاهد نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب اه وقال الأستاذ الامام : إنه بعد أن بين حال المؤمنين وما أعدلهم من الثواب ، وذكر حال الكافرين وما أعد لهم من العقاب ، ذكر فريقا من أهل الكتاب ، يهتدون بهذا القرآن ، وكانوا مهتدين من قبله بما عندهم من هدى الأنبياء ، وذكر من وصفهم الخشوع للّه وما كل من يدعى الايمان بالكتاب خاشع للّه . وهذا الخشوع هو روح الدين وهو السائق لهم إلى الايمان بالنبي الجديد ، وهو الذي حال بينهم وبين أن يشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا . وهذا الثمن يعم المال والجاه ؛ فان منه التمتع بما كانوا فيه من ذلك وإن صعبا على الانسان أن يترك ما ألفه . وخص هؤلاء بالذكر على كونهم من المؤمنين الذين وعدوا بما تقدم ذكره في مقابلة الكافرين لأجل القدوة بهم في صبرهم على الحق في الدين السابق والدين اللاحق . وذكر ايمانهم بصيغة التأكيد لأن أهل الكتاب - بغرورهم بكتابهم وتوهمهم الاستغناء بما عندهم عن غيره كانوا أبعد الناس عن الايمان وكان من الغرابة بعد ذلك العناد ومكابرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحسده على النبوة والتشدد في إيذائه أن يؤمن بعضهم إيمانا صحيحا كاملا . ولهذا كان المؤمنون منهم قليلين وكانوا من خيارهم علما وفضلا وبصيرة . واننا نرى علماءنا الأذكياء في هذا العصر قلما يرجعون عن عقيدة أو رأى في الدين جروا عليه وتلقوه عن مشايخهم وقرأوه في كتبهم وان كان باطلا وخطأ ظاهرا وفي هذه الآية تأييد لكون حال المؤمنين على ما كانوا عليه من ضيق خيرا من حال الكافرين على ما كانوا عليه من سعة كأنه يقول انظروا إلى حال الأخيار